|
العوامل المساعدة للإمام
المهدي عليه السلام في هداية الشعوب
من الطبيعي أن يتساءل المرء: كيف سيتمكن
الإمام المهدي عليه السلام من تعميم الإسلام على الشعوب
غير المسلمة ، مع ما هي فيه من حياة مادية بعيدة عن
الايمان والقيم الروحية ، ونظرة سيئة إلى الإسلام
والمسلمين ؟!
لكن ينبغي الإلتفات إلى عوامل كثيرة
عقائدية وسياسية واقتصادية تساعد الإمام المهدي عليه
السلام في دعوته ، تقدم بعضها في حركة ظهوره عليه
السلام .
فمن ذلك أن شعوب العالم تكون قد جربت -
وقد جربت- الحياة المادية البعيدة عن الدين ، ولمست لمس
اليد فراغها وعدم تلبيتها لفطرة الإنسان وإنسانيته . وهي
حقيقة يعاني منها الغربيون ويجهرون بها !
ومنها ، أن الإسلام دين الفطرة ، ولو
فسح الحكام لنوره أن يصل إلى شعوبهم على يد علماء ومؤمنين
صادقين ، لدخل الناس فيه أفواجاً .
ومنها ، الآيات والمعجزات التي تظهر
لشعوب العالم على يد المهدي عليه السلام ، ومن أبرزها
النداء السماوي كما تقدم .
وهذه الآيات وإن كان تأثيرها على الحكام
موقتاً أو ضعيفاً أو معدوماً ولكنها تؤثر على شعوبهم بنسب
مختلفة .
ولعل من أهم عوامل التأثير عليهم
انتصارات الإمام المهدي عليه السلام المتوالية ، لأن من
طبع الشعوب الغربية أنها تحب القوي المنتصر وتقدسه ، حتى
لو كان عدوها . فكيف إذا كانت له كرامات ومعجزات .
ومنها ، نزول المسيح عليه السلام وما
يظهره الله تعالى على يده من آيات ومعجزات للشعوب الغربية
وشعوب العالم ، بل إن دوره الأساسي وعمله الأساسي يكون
بينهم ، ومن الطبيعي أن تفرح به الشعوب الغربية وحكامها
ويؤمن به الجميع أول الأمر ، حتى إذا بدأ يظهر ميله إلى
الإمام المهدي عليه السلام والإسلام تبدأ الحكومات
الغربية بالتشكيك والتشويش عليه ، وتنحسر موجة تأييده
العارمة ، ويبقى أنصاره من الشعوب الغربية ، ويحدث فيهم
التحول العقائدي والسياسي حتى يكونون تياراً في بلادهم.
ومنها ، العوامل الإقتصادية ، وما يصل
اليه العالم من الغنى والرفاهية على يد الإمام المهدي عليه
السلام فينعم الناس في زمنه نعمة لاسابقة لها في تاريخ
الأرض وشعوبها ، كما تذكر الأحاديث الشريفة ، ومن الطبيعي
أن يكون لذلك تأثير هام على تلك الشعوب .
وهذه لمحات عن الحياة في عصر المهدي عليه
السلام :
تطوير الإمام عليه السلام للحياة
المادية والرفاهية:
من الأمور البارزة في أحاديث المهدي
عليه السلام التقدم التكنولوجي في الدولة العالمية التي
يقيمها ، فإن نوع الحياة المادية التي تتحدث عنها النصوص
الشريفة في عصره عليه السلام ، أعظم من كل ما عرفناه في
عصرنا ، ومما قد يتوصل اليه تطور العلوم بالجهود البشرية
العادية . وفيما يلي بعض ما ورد في ذلك:
يستخرج كنوز الأرض ويقسمها على الناس:
والأحاديث في ذلك كثيرة ، منها ما ورد
عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (تخرج له الأرض أفلاذ
أكبادها، ويحثو المال حثواً ولا يعده عداً ) .
(البحار:51/68) .
وأفلاذ أكبادها أي كنوزها،وفي رواية:(
حتى يخرج منها مثل الأسطوانة ذهباً ).
وحديث يحثو المال حثواً أو حثياً ولا
يعده عداً ، مشهور في مصادر الفريقين ، وهو يدل على الرخاء
الإقتصادي الذي لاسابقة له ، وعلى نفسية الإمام المهدي
عليه السلام السخية ، المحبة للناس .
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال:(
إذا قائم أهل البيت قسم بالسوية ، وعدل في الرعية. فمن
أطاعه فقد أطاع الله ، ومن عصاه فقد عصى الله ، ويستخرج
التوراة وسائر كتب الله عز وجل من غار بأنطاكية ، ويحكم
بين أهل التوراة بالتوراة ، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل ،
وبين أهل الزبور بالزبور ، وبين أهل القرآن بالقرآن .
وتجمع إليه أموال الدنيا من بطن الأرض
وظهرها فيقول للناس: تعالوا إلى ما قطعتم فيه الأرحام ،
وسفكتم فيه الدماء الحرام ، وركبتم فيه ما حرم الله عز وجل
. فيعطي شيئاً لم يعطه أحد قبله ، ويملأ الأرض عدلاً
وقسطاً ونوراً ، كما ملئت ظلماً وجوراً وشراً) . (
البحار:52/351) .
تنعم الأمة في زمانه وتعمر الأرض:
عن النبي صلى الله عليه وآله قال: (تنعم
أمتي في زمن المهدي نعمة لم ينعموا مثلها قط . ترسل السماء
عليهم مدراراً ، ولاتدع الأرض شيئاً من النبات إلا
أخرجته). (ابن حماد ص98)
وعنه صلى الله عليه وآله قال: ( تأويل
إليه أمته كما تأوي النحلة الى يعسوبها ، يملأ الأرض عدلاً
كما ملئت جوراً ، حتى يكون الناس على مثل أمرهم الأول .
لايوقظ نائماً ولا يهريق دماً ) ( ابن حماد ص 99 ).
ولعل معنى ( على مثل أمرهم الأول ) أي
في المجتمع الإنساني الأول عندما كانوا أمة واحدة على صفاء
فطرتهم الانسانية ، قبل أن يقع بينهم الإختلاف كما قال
تعالى: ( كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً ) . (سورة
البقرة:213)
وهو يؤيد ما تشير إليه بعض الأحاديث من
أن المجتمع يصل في عصر المهدي عليه السلام إلى مجتمع
الغنى وعدم الحاجة ، ثم إلى مجتمع المحبة وعدم الإختلاف
وعدم الحاجة إلى المحاكم ، ثم إلى مجتمع اللانقد ، بحيث
يعمل أفراده لخدمة بعضهم قربة إلى الله تعالى ويأخذون ما
يحتاجونه من بعضهم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله
.
وعن النبي صلى الله عليه وآله قال:
(يرضى عنه ساكن السماء وساكن الأرض. لاتدع السماء من قطرها
شيئا إلا صبته ، ولا الأرض من نباتها شيئاً إلا أخرجته ،
حتى يتمنى الأحياء الأموات ) . (ابن حماد ص99) ، أي يتمنى
الأحياء أن الأموات كانوا أحياء لينعموا معهم ويروا ما
رأوا .
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال (
ويظهر الله عزو جل به دينه ولو كره المشركون ، فلا يبقى في
الأرض خراب إلا عمر ) . ( البحار:52/191) .
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال: (
المهدي محبوب في الخلائق ، يطفئ الله به الفتنة الصماء )
(بشارة الإسلام ص 185) .
وعنه عليه السلام في تفسير قوله تعالى:
( مدهامتان.. قال: يتصل ما بين مكة والمدينة نخلاً)
(البحار:56/ 49) .
وعن سعيد بن جبير قال: ( إن السنة التي
يقوم فيها القائم تمطر الأرض أربعاً وعشرين مطرة ، ويرى
آثارها وبركاتها ) . (كشف الغمة:3/250) .
وفي مخطوطة ابن حماد ص98: ( علامة
المهدي: أن يكون شديداً على العمال، جواداً بالمال ،
رحيماً بالمساكين) .
وفيها: ( المهدي كأنما يلعق المساكين
الزبد) .
يطور العلوم الطبيعية ووسائل المعيشة:
تذكر أحاديث المهدي عليه السلام عدداً
من الأمور غير المألوفة للأجيال السابقة ولجيلنا المعاصر ،
في وسائل الإتصال التي تكون في عصره ، ووسائل الرؤية،
والمعرفة ، ووسائل الحرب ، وأساليب الإقتصاد ، والحكم
والقضاء ، وغيرها.
ويظهر أن بعضها يكون كرامات ومعجزات
يجريها الله على يديه عليه السلام .
ولكن كثيراً منها تطوير للعلوم الطبيعية واستثمار لقوانين
الله تعالى ونعمه ، التي أودعها فيما حولنا من مواد الأرض
والسماء .
وتدل أحاديث متعددة وتشير ، إلى أن
تطويره عليه السلام لعلوم الطبيعة سيكون قفزة في تقدم
الحياة الانسانية على الأرض في جميع مرافقها . من ذلك
الحديث المروي عن الإمام الصادق عليه السلام قال: (العلم
سبعة وعشرون حرفاً . فجميع ما جاءت به الرسل حرفان ، فلم
يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين فإذا قام قائمنا أخرج
الخمسة وعشرين حرفاً فبثها في الناس ، وضم إليها الحرفين
حتى يبثها سبعة وعشرين حرفاً) . (البحار:52/ 336) .
وهو وإن كان ناظراً إلى علوم الأنبياء
والرسل عليهم السلام ولكنها تشمل مضافاً إلى العلم بالله
سبحانه ورسالته والآخرة ، العلوم الطبيعية التي ورد أن
الأنبياء عليهم السلام علموا الناس بعض أصولها ، ووجهوهم
إليها ، وفتحوا لهم جزءا من أبوابها ، كما ورد من تعليم
إدريس عليه السلام الخياطة للناس ، وتعليم نوح عليه
السلام صناعة السفن والنجارة ، وتعليم داود وسليمان صناعة
الدروع ، وغيرها .
فالمقصود بالعلم في الحديث أعم من علوم
الدين والطبيعة ، والمعنى أن نسبة ما يكون في أيدي الناس
من العلوم إلى ما يعلمهم إياه عليه السلام نسبة اثنين إلى
خمس وعشرين .
وعن الإمام الباقر عليه السلام قال: (
أما إن ذا القرنين قد خير السحابين فاختار الذلول ، وذخر
لصاحبكم الصعب . قال قلت: وما الصعب؟ قال: ما كان فيه رعد
وصاعقة أو (و) برق فصاحبكم يركبه . أما إنه سيركب السحاب ،
ويرقى في الأسباب ، أسباب السماوات السبع والأرضين السبع ،
خمس عوامر ، واثنتان خرابان). (البحار:52/321) .
وعن الإمام الصادق عليه السلام قال:(إن
المؤمن في زمان القائم وهو بالمشرق ليرى أخاه الذي في
المغرب . وكذا الذي في المغرب يرى أخاه الذي في المشرق).
(البحار:52/ 391 .
وعنه عليه السلام :(إن قائمنا إذا قام
مد الله لشيعتنا في أسماعهم وأبصارهم حتى لايكون بينهم
وبينه بريد يكلمهم فيسمعونه وينظرون إليه وهو في مكانه)
(البحار:52 /236 .
وعنه عليه السلام قال: ( إذا تناهت
الأمور إلى صاحب هذا الأمر رفع الله تبارك وتعالى له كل
منخفض من الأرض ، وخفض له كل مرتفع ، حتى تكون الدنيا عنده
بمنزلة راحته . فأيكم لو كانت في راحته شعرة لم يبصرها).
وروي أنه عليه السلام ينصب له عمود من
نور من الأرض إلى السماء فيرى فيه أعمال العباد ، وأن له
علوما مذخورة تحت بلاطة في أهرام مصر لايصل إليها أحد قبله
) .( كمال الدين ص 565 ) .
إلى غير ذلك من الروايات التي لايتسع
المجال لاستقصائها وتفسيرها . وبعضها يتحدث عن تطور العلوم
بشكل عام ، وبعضها عن تطور القدرات الذهنية والوسائل
الخاصة بالمؤمنين ، وبعضها عن وسائل وكرامات خاصة بالإمام
المهدي عليه السلام وأصحابه .
من ذلك ما عن الإمام الباقر عليه
السلام قال: ( كأني بأصحاب القائم وقد أحاطوا بما بين
الخافقين ، ليس شئ إلا وهو مطيع لهم ، حتى سباع الأرض
وسباع الطير تطلب رضاهم (في) (و) كل شئ ، حتى تفخر الأرض
على الأرض وتقول: مرَّ بي اليوم رجل من أصحاب القائم)
(البحار: 52 /327 ) .
وفي رواية عن الإمام الباقر عليه
السلام قال: ( إذا قام القائم بعث في أقاليم الأرض في كل
إقليم رجلاً يقول: عهدك في كفك فإذا ورد عليك أمر لاتفهمه
ولاتعرف القضاء فيه ، فانظر إلى كفك واعمل بما فيها ) .
(غيبة النعماني ص319 ).
وقد يكون ذلك على نحو الإعجاز والكرامة
لهم ، وقد يكون على أساس قواعد علمية ، أو وسائل متطورة .
ملكه أعظم من ملك سليمان وذي القرنين:
يفهم من أحاديث الإمام المهدي عليه
السلام أن الدولة الإسلامية العالمية التي يقيمها أعظم من
الدولة التي أقامها نبي الله سليمان وذو القرنين عليهما
السلام ، وبعض الأحاديث تنص على ذلك ، كالحديث المروي عن
الإمام الباقر عليه السلام : (إن ملكنا أعظم من ملك
سليمان بن داود ، وسلطاننا أعظم من سلطانه).
والحديث الآتي بأنه تسخر له أسباب لم
تسخر لذي القرنين ، والأحاديث التي تدل على أن عنده مواريث
الأنبياء عليهم السلام التي منها مواريث سليمان ، وأن
الدنيا عنده بمنزلة ، راحة كفه . . .
فدولة سليمان عليه السلام شملت فلسطين
وبلاد الشام ، ولكنها لم تشمل مصر وما وراءها من أفريقيا .
كما أنها لم تتجاوز اليمن إلى الهند والصين وغيرها ، كما
تذكر الأحاديث . بل تذكر أنها لم تتجاوز مدينة إصطخرجنوب
إيران .
بينما دولة المهدي عليه السلام تشمل كل
مناطق العالم ، حتى لايبقى قرية إلا نودي فيها بالشهادتين
، ولايبقى في الأرض خراب إلا عمر ، كما تنص الأحاديث
الشريفة . بل تنص على شمولها للأرضين الأخرى !
ومن ناحية الإمكانات التي تسخر للمهدي
عليه السلام ، فهي تشمل الإمكانات التي سخرها الله تعالى
لسليمان عليه السلام وتزيد عليها . سواء ما كان منها على
نحو الإعجاز والكرامة الربانية، أو ماكان تطويراً للعلوم
واستثماراً لإمكانات الطبيعة.
ومن ناحية مدتها ، فقد كانت مدة دولة
سليمان عليه السلام نحو نصف قرن ، ثم وقع الإنحراف بعد
وفاته سنة931 قبل الميلاد وتمزقت الدولة ، ووقعت الحرب بين
مملكتي القدس ونابلس . كما تذكر التوراة والمؤرخون .
أما دولة الإمام المهدي عليه السلام في
حياته وبعده ، فهي تستمر الى آخر الدنيا ، ولا دولة بعدها
! والمرجح عندنا أنه يحكم بعده المهديون من أولاده ، ثم
تكون رجعة بعض الأنبياء والأئمة عليهم السلام ، ويحكمون
إلى آخر الدنيا . |